الرئيسية / اخبار مميزة / مصر | سيد حجاب .. شاعر العامية التي سابقت الفصحى
سيد حجاب

مصر | سيد حجاب .. شاعر العامية التي سابقت الفصحى

لم يكن سيد حجاب شاعرًا وحسب، ولا كاتب أغانٍ فقط، ولا نجمًا لـ”تِترات” المسلسلات التي تفوّق على الآخرين فيها، ولا مجرد سياسي قاد المظاهرات وتعرض للسجن، لقد كان كل ذلك وأكثر، إلا أن ما سيبقى منه دائمًا، هو تمكنه من شعر “العامية”، الذي أوصله إلى وجدان المواطن المصري والعربي.

سيد حجاب.. لم يكن مجرد شاعرا، او كاتب اغان،او غيره، كما انه ليس مجرد سياسي كان يثور بين اوساط المتظاهرين الذين يقودهم ليكن السجن من نصيبه.. حتى ان بحثه المتواصل عن الحرية والعدل والانعتاق من أسر الاستبداد، اصبح كلمة السر في شخصيته، طول ما يقارب سبع وسبعين سنة، لدرجة انه أغرق الساحة الفكرية بفيض من الشعر الذي كاد يجعل “العامية”، تسبق الفصحى..

وتمحورت توجهات سيد حجاب في شعره، في هدف أوحد، هو “طلب الحرية والثورة على الواقع”، وظل في سعي دائم للتخلص من القيود المفروضة عليه على جميع الأصعدة، سواء الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية، وبدأ ذلك معه منذ نعومة الأظافر، فها هو طفل العاشرة، يحاول التعبير عمّا يعتريه من رغبة في التغيير، فنراه ينضمّ إلى شعبة الدعاة التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، في المطرية (في المنصورة بوسط دلتا مصر)، ويلقي الخطب في المساجد بعد انتهاء الصلاة.

ثم ينمو ذلك الشعور مع سيد حجاب، فيترك الإخوان، ليعتنق الماركسية، وينضم إلى تنظيم “وحدة الشيوعيين”، بل ويتم اعتقاله عام 1966، بتهمة الانضمام لتنظيمات شيوعية معادية للدولة، غير أنه لم يكن أبدا معاديا للدولة، بل كان معاديا للقيود التي فرضتها السلطة -حينئذٍ- على الدولة، واحتكارها حرية الفكر.

أثّرت معتقدات سيد حجاب بشكل كبير في نوعية أشعاره وأغانيه الوطنية، وظهر ذلك في عنوان أغنيته الشهيرة -عقب انتصار حرب أكتوبر والتي غنتها عفاف راضى- “الباقي هو الشعب”، حيث يتضح من مجرد العنوان، أن قناعاته السياسية دارت حول ضرورة نيل الحرية وحصول الشعب على كامل حقوقه، وكان هذا هو الدافع لكتابة الأغنية، فمن وجهة نظر حجاب سيظل “الباقي هـو الشعب/ولا فيه قـوة/ولا فيه صعب/يـصدوا زحـف الشعب”.

مشاكل مجتمع
من أهم سمات سيد حجاب التي تميز بها  كذلك رؤيته الواقعية لمشاكل المجتمع المصري، وظهر ذلك في أشعاره إلى جانب آرائه السياسية شديدة التعقل، فحجاب دائما ما سعى إلى البحث عن التشخيص الدقيق لمشكلات المواطن، والحواجز التي تمنعه من نيل الحرية، وظهر ذلك في تقييمه للوضع الراهن لمصر، في العديد من حواراته الصحافية والتلفزيونية التي أجراها في أعوامه الأخيرة. لم يتوقف حجاب عند هذا الحدّ، بل راح يعبّر عن مشاكل الناس على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، ومن أبرز تلك المشاكل، مشكلة الاغتراب واليأس، التي تدفع الشباب المصري إلى ترك بلده سعيا للعمل وبناء حياته الاقتصادية والاجتماعية.
عبّر حجاب عن ذلك النزاع الشديد في نفس الشاب المصري في حقبة السبعينات من القرن العشرين، بعد تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي، في أغنيته “الحدود”، التي لحّنها عمار الشريعي وغنتها فرقة الأصدقاء، ومن منا لا يتذكر تلك الكلمات التي لخصت في بساطة مشكلة جيل بأكمله “وابتدى شيء ينجرح جُوا الوجود/وابتدينا أسئلة ما لهاش ردود/مِلنا ع الشباك/نخبي دمعة فرت مِننا”. أو تلك الكلمات، التي يتذكرها كل مصري بمجرد سفره “كُنتْ فاكرة يا مصر إني تعبت منك/واكتشفت إني مُحال أستغنى عنك/ حتى دوشة صوت جيراني والزحام/وحشوني تاني/ وقالوا فاضل نص ساعة على الوصول/قلت إيه معنى الساعات ولّا الفصول/إلا في اللي فيها ذكرياتنا وحبنا”.

هاجس وحرية
هاجس الحرية عند سيد حجاب لم يقتصر فقط على الحرية بمعناها السياسي والاجتماعي، بل امتد ليطال اختياره لألفاظ أشعاره، حيث سعى دومًا إلى توظيف الكلمة توظيفًا جديدًا مبتكرًا، مغامرًا ومتحديًا، وانظر إن شئت إلى هذه السطور من أغنية مقدمة مسلسل آرابيسك، التي قال فيها “الشَر شرق وغرب داخل لحوشنا/ حوشوا شرارة تطيش تشقق عروشنا”، إلى قوله “الغِش طرطش رش ع الوِش بوية/ما دريتش مين بلياتشو ومين رزين”، فهل أنت رأيت من قبل استخدامًا لحرف الشين، بهذا الثراء والتنوع والجِدة، بينما هو حرف في اللغة العربية يميل الشعراء عادة إلى الهروب منه، واجتنابه؟

تميز شعر حجاب بتنوع الصور الموسيقية فيه، واعتماده على الخيال والموسيقى الداخلية، التي تساعد القارئ والمستمع على الشعور بعاطفة الشاعر الكامنة خلف كلماته، وكان النجاح المدوّي الذي حققته أشعاره في مسرح العرائس، خاصة مسرحية “أبو على” بالقاهرة عام 1973، ومسرحية “حكاية الواد بِلية”، للمسرح الحديث عام 1988 برهانًا على ذلك. امتلك حجاب قدرة كبيرة على توظيف الشعر العامى لإيصال روح الأعمال الفنية، في بضع كلمات مكثفة، وهو ما ظهر في أعمال، مثل فيلم “الكيت الكات “، ومسلسل “ليالى الحلمية”، و”بوابة الحلوانى” و”الليل وآخره”.

لا عجب إذن، في أن يسعى الشاعر إلى صداقة شعراء، يماثلونه في حسه الوطني، ورغبته في التحرر من القيود، فالطيور -كما يقال- على أشكالها تقع، والتقى حجاب بالفنان التشكيلي عبدالمنعم السحراوي، الذي ظل من أصدقائه المقربين، وأنتجا معًا العديد من الأعمال الفنية المشتركة، ومنها “بلدنا بحيرة ومَدنة”، ثم التقى بعد ذلك عبدالرحمن الأبنودي في إحدى ندوات القاهرة، لتنشأ بينهما علاقة صداقة وطيدة، وقدم معه بعد ذلك برنامج “عمار يا مصر” بالإذاعة المصرية.

لقد كان لقاء حجاب بصلاح جاهين، بداية لصداقة كبيرة بين الشاعرين الكبيرين، حيث حرص الثاني على تقديمه للأوساط الشعرية، متنبئا له بمستقبل مثمر في مسيرة الشعر العامي، وأحبّ حجاب جاهين حبا شديدا، وأهدى لروحه قصيدة “عشر كلمات عند افتراق الطريق”، التي قال فيها “سامحني يا صاحبي البريء الجميل/واحنا هناك على بوابات الرحيل/سِبتك وسِبت البوابات تاخدك، ورجعت عاجز كليل”.

تجلّت بعد ذلك خلاصة شعوره السياسي المتأجج، في ديباجة دستور 2014، التي كتبها سيد حجاب بأسلوب أدبي، دون أن يغفل المعاني التي أراد إيصالها، حيث تناولت الديباجة -في العديد من أجزائها- عظمة الثورات التي قام بها المصريون، ونضالهم المستمر بحثا عن الحرية والتعددية والتداول السلمي للسلطة، وانتهت الديباجة بعبارة ملهمة، قال فيها “نحن المواطنات والمواطنين.. نحن الشعب المصري.. السيد في الوطن السيد.. هذه إرادتنا.. وهذا دستور ثورتنا”.

تميزت مقدمات المسلسلات الدرامية (التترات)، التي كتبها حجاب، بأنها تناولت مشاكل الشعب، بصورة يشعر معها المستمع أن الكاتب وضع يده بتميز على جراح المواطن المصري، سواء المشاكل السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية على مر العصور المختلفة، وعلى سبيل المثال، وصف حجاب مشكلة الإرهاب التي كانت مصر -ومازالت- تعانى منها حتى الآن وصفا دقيقا في تتر مسلسل “العائلة” عندما قال “إحنا اللي يوم الفِدا رحنا نفديكي ونضحي بروحنا، وضحكنا حتى على جروحنا، ضحكتنا هوّنت الشيلة”. كما وصف حجاب بتميّز مشكلة الضبابية والفوضى التي يعيش فيها المصريون، في تتر مسلسل ليالي الحلمية، عندما قال “ما تسرسبيش يا سنينا من بين إيدينا/ولا تنتهيش داحنا يا دوب ابتدينا/واللى له أول بكرة ها يبان له آخر/وبكرة تُفرج مهما ضاقت علينا”، فمنذ إنتاج ذلك المسلسل وحتى يومنا هذا، تصلح تلك الكلمات البسيطة للتعبير عن حالة كل مواطن مصري تائه في خضم أوضاعه المتقلبة، وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الاجتماعي.

ثم يواصل حجاب باقتدار تصوير المعاناة “ولفين ياخدنا الأنين؟ لليالى ملهاش عينين، ولفين ياخدنا الحنين، لواحة الحيرانين”. لم يكتف حجاب بوصف مشكلات المواطن البسيط، بل تعدّى ذلك، ليقدم له الحل في كلمات أغنيته بفيلم “الكيت الكات”، التي تغنّى بها الممثل الراحل محمود عبدالعزيز، حيث وجه الشاعر النصح له قائلا “يلّا بينا تعالوا.. نسيب اليوم في حاله.. وكل واحد منّنا.. يركب حصان خياله.. ها نهرب من النهار ده.. ونهرب من المكان.. ونطير مع نسمة شاردة”.

ويوجّه حجاب حكمة رائعة لهذا المواطن، يدعوه فيها، إلى ألاّ يصدق كل ما يراه ويسمعه، وتلك من أكبر آفات المصريين، قال له “فيه جلد ما لهوش لون.. وجلد بألف لون.. لو تغسله بصابون.. يطلع لونه أوانطة.. سيبك من المصبغة.. وصباغة المصبغة سيبك.. وبص بص شوف.. شوف الناس الظروف، يمكن تلقى الديابة.. لابسة فروة خروف.. ويمكن تلقى الغلابة.. في أول الصفوف”، فعن أيّ مصبغة بالضبط كنت تتحدث يا شاعرنا الراحل؟

لا لإسلامية الدولة

بحث حجاب الدائم عن الحرية، دفعه لأن يعترض على أن ينص الدستور، الذي كتب هو ديباجته، على “إسلامية الدولة”، فالدولة عنده “لا تصوم ولا تُصلّي”، قال “لن يكون دخولنا إلى الحداثة إلّا بفصل السلطة الدينية عن الدولة، وأنا ضد أيّ محاكمة دينية للفكر والتعبير، وضد استعمال عقول الآخرين لتحقيق المصالح”.

على الرغم من انضمامه في صباه إلى طلائع الإخوان المسلمين، إلّا أنه عندما كبر، أدرك وتأكد من أنهم -أي الإخوان- لديهم تناقض في الأفكار، ومشروعهم كله، ما هو إلا اختراع، وعالم افتراضي، والذي فعله حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان في عام 1928)، كان اختزال القرآن الكريم في آية واحدة هي “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم”.

رأى حجاب، أن الإخوان يعتبرون أنفسهم، المعبرين وحدهم عن الإسلام، وهم وحدهم المؤمنون، والآخرون ليسوا كذلك، وهو ما رفضه الشاعر بقوة، وأتى هجومه المتواصل على الجماعة، انطلاقًا من إيمانه بضرورة إتاحة حرية الفكر والرأي والتعبير للجميع، وصولا إلى تحقيق مصلحة الجميع من أبناء الشعب، بعيدًا عن التمييز والاستحواذ والتمكين لفصيل على حساب آخر.

من المنطلق نفسه، رأى سيد حجاب، أن الوطن، أعمّ وأشمل وأكبر من اختزاله في شخص زعيم أو حاكم أو رئيس واحد، لهذا وجدناه يقول في أحد حواراته الصحافية “السادات لم يكن سوى جملة اعتراضية في تاريخ مصر، وكذلك حسني مبارك لم يكن هو الآخر إلا جملة اعتراضية -وإن طالت قليلًا- والسيسي هو أيضًا لن يكون إلا جملة اعتراضية، وحتى عبدالناصر، الذي أحبه حجاب حدّ العشق، كان هو أيضا في نظره، جملة اعتراضية..” ولم يكن هذا التصور غريبًا على شاعر يرى أن الباقي، الذي سيبقى دائمًا، هو الشعب.

لهذا، كان سيد حجاب يردد باستمرار، أن ثورة يناير -التي كان هو أحد مؤججيها من خلال أشعاره، ونزل إلى الميادين في أثنائها- لم تكتمل حتى الآن، لأن الانتهازيين، ومن سماهم ببقايا نظام مبارك، يحاولون اختطافها، ويصرون على وصفها بالمؤامرة، وما كانت هي أبدًا كذلك، بل كانت، في رأيه، انتفاضة مجيدة للشعب كله، ثم جاءت 30 يونيو 2013 لتستكملها، ويأبى الشاعر إلا أن يوجه رسالة إلى رجال الأعمال في مصر تقول لهم “عليكم، يا من حققتم الثراء من خلال الفساد، وأوصلتمونا إلى ما نحن فيه الآن، أن تفهموا أنكم الذين تمثلون مشكلتنا الآن”.

قبل الرحيل بأسابيع قليلة، لم يشأ سيد حجاب أن يغادر، دون أن يترك لنا توقعًا -أو لعلها نبوءة- بأن الشعب سوف ينتصر في النهاية، مهما كانت المعوقات، قال “مصر الجديدة لا محالة قادمة، وسوف يبنيها هذا الشعب الذي أعاد طرح سؤال التاريخ مجددًا، ورغم أنهم خدعوه، إلا أنه ثار في 30 يونيو، فهذا شعب لن ينخدع مرة أخرى”.. وكأن حجاب أراد تذكيرنا بكلماته التي يحفظها الكثيرون: “وندق.. ندق.. أبواب الحياة.. قومي.. قومي افتحي.. لولادك الطيبين.. قومي”. رحل سيد حجاب ورحل قبله أحمد فؤاد نجم قبل أربعة أعوام يوم كان الاثنان يشكلان روح القصيدة العامية المصرية، وذكاء العبارة والصورة فيها.

جريدة العرب

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *