الرئيسية / ثقافة وفن / أحضان بيكاسو
روائية وقاصة وعضو اتحاد الادباء في مصر
صفاء عبدالمنعم

أحضان بيكاسو

معين نيوز | ثقافة وفن | القاصة والروائية : صفاء عبدالمنعم *

فى عام 1970 ظهرت امرأة غريبة الأطوار فى الشارع الذى كنا نقطن فيه كانت دائما ترتدى زيا واحدا فضفاضا رمادى اللون ، وتضع على رأسها غطاءَ أبيض ، كان هذا الزى فى ذلك الوقت غريبا علينا نحن الصغار ، وعلى نساء الحى كذلك ، خصوصا وأن المنطقة مازالت جديدة المنشأ بعض الشىء ، أنها تقع بالقرب من الرشاح الكبير ، وكانت رائحته فى أيام الصيف الحارة كريهة لدرجة كانت تحدث بعض الأغماءات للأطفال الرضع وكبار السن ، كانت جارتنا الجديدة ، تسير وإلى جوارها طفلة صغيرة ترتدى ملابس مبهجة الألوان ، مختلفة الطراز عما يلبسه أطفال الحى فى ذلك الوقت ، وكانت دائما تحدث نفسها بصوت خفيض وهى تسير فى الشارع بخطى سريعة كأنها على موعد ، والمسافة التى تقطعها مازالت قليلة ، وأمامها مشوار طويل عليها أن تقطعه فى زمن وجيز . كنا نراها ونحن أطفال صغار امرأة نحيفة ، نحيفة جدا ، وقصيرة جدا ، كأنها عود ثقاب يسير على الأرض . وكانت الجارات حين يجتمعن فى بيت أحدهن لمناسبة ما ، يضحكن بشكل هيسترى ، ويلقين بكلمات بذيئة ، وعندما يأتى ذكر هذه المرأة صدفة أو تعمدا ، كانت أمى هى الوحيدة من بينهن تكره ذكر اسمها بسوء ، وتقول لهن وهى غاضبة : دع الملك للمالك . ولكن الجارات الثرثارات يضحكن بملىء أفواههن ، ورائحة الطبيخ تفوح من بين أسنانهن الصفراء ، ويواصلن الحكى عنها ووصفها ووصف ملابسها وشكلها بشكل من الأستهتار والإبهار المخجل والمزمن . وفى يوم من الأيام رأيناها تحتضن قطا كبيرا أبيض ، وتقبله وهى تحدثه بصوت مرتفع : ياللا يابيكاسو لقد تأخرنا اليوم كثيرا . دفعنا الفضول والتطفل ، وأخذنا نسير وراءها وهى تجرى فى خفة ورشاقة ، ثم تدخل ملجأ للأطفال هناك بجوار الكنيسة الكبيرة البعيدة والتى تشبه قلعة بيضاء كبيرة . وقفنا نتجسس قليلا لبعض الوقت ، رأيناها تقف هناك فى الفناء الكبير ، وحولها أطفال صغار يلعبون ويمرحون ضاحكين ، وكل طفل منهم يأخذ القط الأبيض بين أحضانه قليلا لبعض الوقت ويقبله قبلة كبيرة بشغف وحب شديد وهو يردد : بيكاسو ياجميل .

ويجتمع الأطفال حولها فتأخذهم فى حضنها الصغير ويلتفون حولها فى حلقة كبيرة وواسعة ، يلعبون ويمرحون فى سعادة متجددة ، وينادونها بصوت طفولى : الأم تريزة ، أمنا الحبيبة نريد بيكاسو يلعب معنا ، أيتها الأم الرحيمة . تأخذ الأطفال فى حضنها الصغير الواسع ، يجلسون حولها فى أدب وخشوع تحكى لهم عن المسيح والعدرا والقديسين ، والقط بيكاسو يلعب معهم فى حبور ونشوة .

 

* روائية وقاصة من مصر

عن صفاء عبدالمنعم

قاصة وروائية وباحثة في الأدب الشعبي، وكاتبة أطفال، عضو إتحاد كتاب مصر ، وأتيلية الفنانين والكتاب ، ودار الأدباء ، محاضر مركزى بالهيئة العامة لقصور الثقافة ، صدر لها 25 كتاب ، كرمت فى مؤتمر أدباء مصر ، سافرت إلى سوريا ولبنان والشارقة وتونس ، تعمل حاليا مديرة مدرسة، ومعتمدة من البورد البريطاني.

تعليق واحد

  1. مبدعة
    دمتي ودام ابداعك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *