أخر الأخبار
الرئيسية / ثقافة وفن / قصة قصيرة : ( قلم باركر )*
الكاتبة صفاء عبدالمنعم
صفاء عبدالمنعم

قصة قصيرة : ( قلم باركر )*

#معين_نيوز | ثقافة وفن : من مصر : صفاء عبدالمنعم *

كنت على يقين مبهم ، أننى سأنجح ، سأحاول ، وسأحاول ، حتى أحظى بذاك القلم الفاخر الذى عرضه علينا مدرس الرياضيات أمامنا نحن طالبات الصف الثانى الثانوى ، وقال هكذا بأفتخار وحب مشجعاً البنات : إنه قلم باركر ، سوف أعطيه لمن منكن تحل مسألة حساب المثلثات هذه فى سرعة وتحصد الدرجة النهائية ، المسألة تحتاج إلى ذكاء، لاتعتمد على حفظ القوانين أو النظريات .
لاحظت أن نظرات البنات جميعهن أتجهت نحو القلم المرفوع عالياً فى يد الأستاذ ، ثم أنهمكن نشيطات فى حل المسألة .
أنا الوحيدة التى ظللت أتطلع إلى القلم ، وتخيلت نفسى وأنا أحصل عليه ، وأحرز الدرجة النهائية ، كانت المسألة بالنسبة لى سهلة جداً ، لقد حللت بالأمس واحدة مثلها ، وبمجهودى الشخصى ، هى حقاً تحتاج إلى ذكاء وفطنة من نوع مختلف ، برغم أنها قد تبدو عصية على الحل إذا أستخدمت القوانين أو النظريات فى حلها ، فهى فى غاية السهولة واليسر ، وتحتاج إلى ألمحية الذكاء البراق الخاطف المختلف ، وليس الذكاء التقنى ، أعلم جيداً أنه يوجد فى الفصل بنات مجتهدات ، ويحصلن على الدرجات النهائية فى أمتحان الشهر ، ولكن هذه المسألة تحديداً، تحتاج إلى مبدع كى يفض غشاء بكارتها ، ويعتليها ، تحتاج إلى ذكاء مختلف ، ذكاء منفرد يشبه ذكاء الأمازونيات فى الحروب ، لا يخضع للقوانين أو الحفظ .
أنهمكت البنات نشيطات مجتهدات فى البحث عن الحل بأقصى سرعة ، وقد بدأ البعض منهن يتزمرن ، والبعض الأخر أحبطن وتركن القلم ، وظللت أنا على ثقة بأننى أعرف الحل جيداً ، وأخذت أتتبع حركات البنات وحيرتهن لبعض الوقت حتى تركت أول واحدة منهن القلم ، أعتقاداً منها أنها توصلت إلى الحل الصحيح ، وتركت أنا كذلك القلم فى نفس اللحظة ، وذهبنا جميعاً تجاه المدرس لنحصل على القلم .
أنا بشكل شخصى وبثقة متناهية ، أضع القلم فى جيبى ، ولكننى تركت الورقة، وذهبت إلى المقعد، وجلست مرتاحة البال صامتة .
قام المدرس بتصحيح جميع أوراق الإجابة التى وردت إليه من البنات اللآئى توصلن إلى الحل وذهبن بالأوراق نحوه . وظلت ورقتى بعيدة ، وضعها هو على المنضدة منفردة ، وهو مازال ينظر إلى ساعته الرادو حتى أنتهى الوقت ، وقال مبتسماً : ضع القلم .
أنصرفت كل الأنظار من على الورق ، ووضعت البنات القلم على الديسك ، وأنتظرن الإجابات الصحيحة ، ومن منا الفائزة، هل هى نهاد رئيسة الفصل ؟ أم إيناس وكيلة الفصل ؟
أم هى هدى الطالبة المثالية على المدرسة ؟
أخذ المعلم يقلب جميع الأوراق التى فى يده ، هى الآن نعم قليلة ، ولكنها ربما تحتوى على الإجابة الصحيحة ، وظلت ورقتى المبعدة موضوعة على المنضدة وحيدة بائسة ، ولم تشد أجتذاب أنظار البنات لها ، فكانت الأنظار محصورة ومتجهة نحو ( نهاد وإيناس وهدى) خصوصا بعد أن قام المعلم باستدعائهن للحضور أمامه .
ووقف المعلم مبتهجاً وهو يضحك ساخرأ ومعاتباً : لقد حصلتا إيناس ونهاد على درجات متساوية ، حيث توصلت كل منهن إلى الحل عن طريق أستخدام القوانين الصحيحة لحل المسألة ، ولكن ماطلبته منكن هو حل المسألة بطريقة أخرى مختلفة عن المألوف والصحيح من القوانين ، ما طلبته هو الألمحية لا تستخدم فيها القوانين والنظريات الرياضية وحساب المثلثات ، ولكن تستخدم فيها قوانين الفطرة والذكاء اللماح ، إيناس ونهاد توصلت كل منهما للحل الصحيح عبر القوانين المتعارف عليها فى حساب المثلثات والتى درست لهما ، لكن لن تحصل أى منهما على الجائزة، لأن الجائزة للمختلف وليست للحافظ للقوانين .
وهذا ما أحزننى !
وظللت جالسة فى مكانى مضطربة بعض الشىء .
ثم واصل المدرس كلامة مرة أخرى ، بعد أن توقف للحظات ، أخذ فيها نفساً عميقاً وقال : ولكن ما أسعدنى بشدة وغير متناهية ، هو حصول طالبة أخرى مختلفة عنكما على الجائزة ، طالبة ربما كانت لا تحصل دائماً على الدرجات النهائية من قبل ، وربما كنت لا أعرفها جيداً ، وربما كنت أهمل إجابتها بعض الشىء ، لأنها كانت إجابات غير تقنية ، وغير خاضة للنظريات والقوانين .
ثم توقف مرة أخرى ، وأخذ نفساً طويلاً ، وصمت قليلاً . وأخذت عيون البنات تجحظ جحوظاً ملحوظاً فى أنتظار القنبلة التى سوف يلقى بها مدرس الرياضيات أمامهن .
ثم واصل حديثه متنهداً بعمق شديد : اليوم فقط أشعر بالخزى وبالعار أمامكن ، لأنها كانت هى صاحبة الألمحية التى كنت أبحث عنها طويلاً ، ولم أكن منتبهاً لها بشكل جيد من قبل .
صمتت البنات صمتاً مفزعاً ، وهن غارقات فى شك وريبة (ترى من هى؟) وأخذت نظراتهن تدور على الجالسات واحدة أثر الأخرى ، وخصوصاً الثالوث المقدس (نهاد وإيناس وهدى) والبنات يتعجبن ويصمتن .
وقام المدرس واقفاً ، وخرج بجسده من خلف المنضدة ، ووقف أمام البنات بكامل هيئته الأنيقة ، وساعته الرادو ، وقلمه الباركر وقال : رغم أنها كانت تلميذتى منذ العام السابق فى فصل 1/1 وهى الآن معكن فى فصل 2/3 أنا لم أنتبه لها من قبل ، لذا أقول لها معتذراً عن السابق (أنا أسف) .
أخذت البنات يتربصن بأنظارهن الحادة ، وأيديهن التى طويت بعناية فائقة تحت أبطهن فى انتظار المفاجأة .
أخذ المدرس يتمشى بين الصفوف ناظراً للبنات بفخر وتعجب ، وكأنه يبحث عن صاحبة الإجابة بين الدكك المتراصة فى نظام شديد ، ووقف أمام تلميذة هادئة ، وعيناها جاحظتان بشدة نحوه . وقال : لقد حصلت زميلتكن على الدرجة النهائية كاملة ، لأنها توصلت إلى الحل السريع بطريقة مختلفة .
وأخذ يتشدق بكلمة مختلفة لأكثر من مرة ، وهو يطوف بين البنات الجالسات فى صمت .
– إنه الحل الأخر الذى دائماً نبحث عنه فى حل مسائل الرياضيات ، وخصوصاً المسائل التى تحتاج إلى ذكاء مختلف ونادر ، ذكاء الألمحية ، وليس ذكاء تطبيق القوانين .
وعندما ذكر المدرس اسمى بعد أنصراف إيناس ونهاد وجلوسهما فى أماكنهما .
خرجت سريعاً من مكانى ، وأنا أشعر بلذة الأنتصار ، والأستحواذ ، والحبور والأختلاف .
وصفقت لى جميع البنات الجالسات فى الفصل بكل قوة . عدا إيناس ونهاد وهدى اللائى كن يتعاملن معى على أننى دخلية عليهن فى الفصل ، أنا الوحيدة من فصل 1/1 فصل الفائقات التى جاءت إلى فصلهن ، وظللن طوال اليوم ينظرن نحوى بشذر شديد ، وكرهاً بسبب تفوقى عليهن وحصولى على القلم الباركر .
وقالت إحدهن وعلى ما أعتقد أنها كانت نهاد رئيسة الفصل ، قالت بسخرية لاذعة وضيق :
لما أنتِ شاطرة قوى كدا ، ليه دخلتى أدبى ، كنت فضلتى مع فصل علمى .
صمت لحظة أو برهة ، أو هنيهة ، وأنا أتأمل السم القاتل فى الكلمات ، والحقد الدفين فى نبرات الصوت المرتعش ، ثم قلت لها بهدوء شديد وأنا ممسكة بالقلم الباركر أتأمله فى حبور وزهو : أنا دخلت أدبى عشان بحب الفلسفة .
صمتت البنات جميعاً ، وكأن حطت على رؤسهن الطير ، وظللنا صامتات متحفزات نحوى لأى غلطة أتفوه بها فى حق نهاد رئيستهن .
ثم بعد برهة ، ضحكن بصوت مرتفع ، وبقهقهات عالية ، واخذن يغنين بصوت صاخب ومدمر للأذن على غرار أغنية قديمة (يامصطفى يامصطفى…)
وهن يصفقن فى غيظ : يافلسفة ، يافلسفة أنا بحبك يافلسفة .
ثم أنقسم الفصل إلى فريقين ، خصوصاً بعد خروج المدرس وأنتهاء الحصة .
الصف الأيمن ، الواقع بجوار الباب ، أصبح ممتعضاً ومنحازاً إلى إيناس ونهاد ، بصفتهما رئيسة الفصل ووكيلته ، والصف الأيسر الواقع بجوار النوافذ العالية والذى أجلس فيه فى أخر مقعد وحيدة ومنبوذة منهن بأعتبارى دخيلة عليهن ، أنحاز بعضهن لى بعد حصولى على الدرجة النهائية ، والفوز بالقلم الباركر .
أما الصف الأوسط فكان محبطاً ومتخاذلاً ، وخائفاً لأى من الصفين ينحاز ، هل للصف الأيمن لإيناس ونهاد ، أم للصف الأيسر حيث أجلس أنا فى أخر مقعد .
وأخيراً وبعد صراع طويل صمتاً وهمساً وحديثاً خافتاً ، قامت هدى الطالبة المثالية من مكانها ووقفت أمام التلميذات ، وقالت مخاطبة أيهن بصوت هادئ ودود خصوصاً أنها كانت غير شاعرة بعار الهزيمة أو الخيبة مثل إيناس ونهاد ، وقالت بصوت رخيم : يابنات علينا جميعا أن نهنئ زميلتنا على فوزها وحصولها على الدرجة النهائية ، والأستحواذ على القلم الباركر الجميل ، ولكن هناك مواد كثيرة بيننا وخصوصاً الفلسفة التى تدعى أنها تركت فصل العلمى وجاءت إلى فصل الأدبى حباً لها.
صمتت البنات ، وهدأت ثورتى إيناس ونهاد ، وأتجهت الأنظار نحو هدى ، وبعض الأنظار نحوى ، فى أنتظار الرد أو الأشتباك ، ولكننى فوت عليهن هذه الفرصة وصمت صمتاً مطبقاً ، وأنا مازلت أتأمل أنتصارى وفرحى بالفوز وبالقلم .
ثم عادت هدى تواصل حديثها ، ووقفت أمام البنات فى أول الفصل ، وأخذت تخطب فيهن وكأنها واعاظاً : وبعد قليل سوف تدخل الأستاذة نادية مدرسة الفلسفة ، والأمتحان بيننا .
صمتت جميع البنات المنحازات إلى إيناس ونهاد فى غلو معلن ، وهدأ الصخب داخل الفصل مع دخول الأستاذة نادية مدرسة الفلسفة وعلم النفس ورائدة الفصل وهى تحمل بين يديها أوراق أمتحان الفلسفة كى توزعه على البنات .
ونظرت أنا بخفة نحو يدها الأخرى والتى كانت تحمل بها الحقيبة الخاصة بها ، ورأيت ورقة منفردة ، تسكن إلى جوار الحقيبة المهتزة ، فعرفتها على الفور ، أنها ورقتى بلونها الأصفر الباهت والتى أقتطعتها من الأجندة بالأمس ، وهنا سكن قلبى قليلاً وأطمأن ، وحدثنى بشدة ، ربما حصلت على الدرجة النهائية فى الفلسفة ، وقد حسم الأمر .
جلست جلوس المنتظر ، وهدأ صخب البنات ، وبعد الترحيب والتحية ، قالت المعلمة هكذا ، وبلفظ دقيق وواضح : يابنات ، يسعدنى أن أقدم لكن زميلة مجتهدة ، لقد حصلت على الدرجة النهائية فى الفلسفة ، وقد أدهشتنى جيداً بإجاباتها المستفيضة والمختلفة والمدهشة .
وقامت المعلمة بتوزيع ورق الأمتحان على البنات ، ولم تذكر اسمى بينهن ، ثم سحبت الورقة المفردة من يدها الأخرى ونادت على اسمى ، فصفقن البنات التى يجلسن فى صفى صارخات ، وتبعهن باقى الفصل ، عدا إيناس ونهاد وهدى والصف الجالسات فيه .
قالت المعلمة لهن مندهشة من تصرفهن ، وأتجهت بنظرها نحوهن : لماذا لا تصفقن لزميلتكن الفائقة مثل الباقيات .
قالت زميلة ، تجلس أمامى بالضبط فى الصف الأيسر المجاور للنوافذ العالية ، والذى أصبح منحازاً لى كاملاً ، وفخوراً بجلوسى معهن .
قالت جمالات : البنات غاضبات لأنها حصلت اليوم على قلم باركر من مدرس الرياضيات .
تبسمت الأستاذة نادية وقالت : عال ، عال . ومنى أنا كذلك هدية .
وفتحت شنطتها ، واخرجت منديلاً حريرياً جميلاً ، لونه أحمر قانى بلون الدم ، وصارت متجهة نحوى حتى أخر الفصل وهى ضاحكة : أتفضلى .
ثم قبلتنى قبلة طويلة فوق رأسى أمام كل البنات الغاضبات ، وقالت موجهة لهن الحديث :
لابد أن نسعد بفوز زميلتنا ، وانا أكاد أن أجزم أنها صاحبة رأى مختلف وجديد ، وهذا مالاحظته أثناء إجابتها فى الورقة .
ثم أخذت تصفق لى بيديها وهى مازالت واقفة أمامى . وأنا أشعر بالخجل والحب ، والنجاح والأبهار والعظمة .
ثم صفقت جميع البنات الجالسات بالفصل حتى الصف الجالسة فيه إيناس ونهاد ، وظلتا هما صامتتين مغرورتين ، حانقتين .
هدأ الفصل بعد قليل ، وقامت هدى من مكانها ، وأخذت أدواتها وتركت المقعد الذى تجلس عليه بجوار إيناس ونهاد ، وجاءت تجلس إلى جوارى ، وهى سعيدة ، وقالت بهدوء شديد : من اليوم سوف أجلس إلى جوارك ، ممكن .
وصفقت البنات تصفيقاً حاداً ، هذه المرة ، والمعلمة معهن .
وظلت إيناس ونهاد صمتاتان ، وكأن على رؤوسهن الطير .

* روائية وكاتبة من مصر .

عن صفاء عبدالمنعم

قاصة وروائية وباحثة في الأدب الشعبي، وكاتبة أطفال، عضو إتحاد كتاب مصر ، وأتيلية الفنانين والكتاب ، ودار الأدباء ، محاضر مركزى بالهيئة العامة لقصور الثقافة ، صدر لها 25 كتاب ، كرمت فى مؤتمر أدباء مصر ، سافرت إلى سوريا ولبنان والشارقة وتونس ، تعمل حاليا مديرة مدرسة، ومعتمدة من البورد البريطاني.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *