الرئيسية / ثقافة وفن / قصة قصيرة للكاتبة المصرية صفاء عبدالمنعم | مدينة ليل
الكاتبة صفاء عبدالمنعم
صفاء عبدالمنعم

قصة قصيرة للكاتبة المصرية صفاء عبدالمنعم | مدينة ليل

معين نيوز | ثقافة وفن : مصر : صفاء عبدالمنعم *|
هل رأسى جاهز اليوم لكتابة شىء ذى أهمية؟ ومن ينتبه لهذا الألم؟
كنت دائمًا أخدع بمس الكتابة الواقعية، وعشقتها على يد العمالقة فى الأدب الروسى، وكنت مغرمة بإبداع تشيكوف ودستويفسكى، وحزنت حزنًا شديدًا عندما قرأت رواية (المعطف) لجوجول، وبكيت على (موت موظف) لتشيكوف، هكذا تكونت ذائقتى فى البداية عام 1982 وأنا أقرأ قصة (نظرة) للكاتب يوسف إدريس، وعندما حصل ماركيزعلى جائزة نوبل للآداب
جمعت كل أعماله وقرأتها بداية من مجموعة (عينا الكلب الأزرق، وانتهاءً بأن تعيش لتحكى).
وأغرمت أشد الغرام بالواقعية السحرية، وبهرنى هذا العالم الثرى الجميل، وازداد نهمى للقراءة، وبدأت الحياة الطبيعية فى تفاصيلها الصغيرة تنسحب من تحت قدمىَّ شيئًا فشيئًا، وكلما قرأت كتابًا، أرانى أعلو وأعلو وأعلو، أعلو عن الصغائر، أصبح طموحى هو كتابة قصة أو رواية مثل هؤلاء الكبار، وكنت أشبه التلميذ المجتهد الذى يحرص أولًا بأول على المذاكرة، وعمل الواجب، وأسعى جاهدة للندوات والمؤتمرات، واتسعت دائرة القراءة، ليس فى الأدب فقط، ولكن فى الفلسفة والنقد وعلم الجمال وعلم النفس والأديان، وكلما سمعت عن كتاب جديد أسعى جاهدة لشرائه وقراءته، أصبحت (دودة قراءة) بمعنى الكلمة، لا يمر يوم أو يومان دون قراءة ساعتين على الأقل، وزد على ذلك حب العلم.
“مرت حياتى أمام عينى فى لحظة، هى لحظة فقط، مرت كأنها دهر كامل، أو كأن شريط سينما يدار أمامى منذ المولد، وانتهى بالوقفة الشامخة أمام القاضى فى ساحة المحكمة، والحاجب ينادى بصوت جهورى مرتفع: “محكمة” ودخل السادة القضاة بالأرواب الجميلة.
شىء ما غريب يحدث الآن!
حياتى يتم إعادة ترتيبها من جديد!
بدأت برؤية وسماع أشياء غريبة!
الأحلام فى منامى تختلف عن الأحلام السابقة!
ثمة صراع ومعارك، ثمة مهازل تُدبر وتتم فى غيابى.
ثمة أفكار وأفعال خائبة من الآخرين تحط علىَّ.
نحن فى زمن ضاع فيه اليقين، تفتت الضمير، ظهرت خزعبلات وخرافات، وأصحاب الأفكار الرديئة يصعدون، ويختفى الرواد أو يموتون كمدًا، ويُشوه الزعماء فى زمن الرويبضة.
إن شخصيتى تتغير ببطء على نحو غير جيد، وأخشى عليها من الانهيار.
هل أنا فى حالة كتابة اليوم؟
اليوم أنا فى حالة كتابة.
أشياء كثيرة ومشوشة، ومجرمة ومحزنة وغير سعيدة تمر بى، هل الأقدار تلعب دورًا مهمًّا فى حياتى؟
لماذا إذن قتلنا الإله؟
عندما كان ينزل الطفل من بطن أمه صارخًا، وأسأل جدتى بخوف وفزع: لماذا يصرخ هكذا يا جدتى؟
كانت تضحك بسعادة بالغة وتقول بحكمة العارف: إنه يصرخ صائحًا ويقول: “يارب لماذا أخرجتنى من الوسع إلى الضيق؟”.
أضحك بفم طفلة غير واعية، هل الدنيا ضيق يا جدتى؟
تضحك بخبراتها الواسعة: “نعم يا ابنتى، الطفل فى بطن أمه يشعر أنه فى ملكوت واسع، يأكل ويشرب، ويمرح دون حساب، أما حساب الدنيا عسير يا صغيرتى”. وتضمنى إلى صدرها الكبير الواسع وهى تبسمل وتقرأ الفاتحة على رأسى الصغير: “ربنا يكفيكِ شرها يا حبيبتى، الدنيا غرورة، إياك والغرور ياصغيرتى”.
هكذا كانت الجدة الحبيبة الخبيرة بالحياة ومعتركها ، تنصحنا نحن الصغار، وننام فى حضنها الدافئ الكبير آمنين سعداء، لا نحلم بشىء سوى اللعب والمرح والضحكات، وهى تظل ساهرة فى فراشها، تدعو الإله الكبير فى علاه أن يحفظ أبناءها وأحفادها الصغار من غرور الدنيا، وأن يرحمها، هى الكبيرة المسنة، من عذاب القبر، وتظل طوال الليل تصلى وتدعو الإله القدير أن يخرجها من دار البلاء بلا بلاء.
بلا بلاء يا جدتى كنت تحبين الخروج من الحياة! لقد كثر البلاء والغلاء والفحشاء والمنكر، صار الناس فى تكالب، والضعفاء يزدادون يومًا بعد يوم.
أين دعواتك الرحيمة يا جدتى؟
أعرف أن جدتى كانت تهرس مشاعرى البريئة بكل نصائحها ودعواتها لى بالستر …
إوعى تلعبى مع الصبيان فى المدرسه.
إوعى تخدى منهم حاجه.
إوعى تقفى جنب ولد فى الطابور .
إوعى حد من الأولاد ياخد أكلك.
إوعى ..
إوعى ..
رحمتك يا جدتى، فأنا طفلة صغيرة فى السابعة أو الثامنة من عمرها، كيف لها أن تعرف مكر الأولاد وحنقهم ومكرهم؟!
وكانت تفصلنى فى النوم عن إخوتى، ظللت أنام إلى جوارها مذ كنت طفلة صغيرة، إلى أن بلغت الثانية عشرة، فأصبح لى سرير بمفردى. كنت لا أحب ولا أضحك، ولا آكل ولا أنام إلا مع نفسى وبمفردى.
وعندما كبر الأولاد صرت أنا البنت الوحيدة بالبيت التى تخاف من الصبيان ولا تلعب معهم، تلك البنت والتى كانت ترتعش بشدة فى المحكمة عندما صاح الحاجب مناديًا على اسمها بغلظة وقوة، ووقفت أمام القاضى فى خوف وصمت شديد.

* كاتبة وقاصة من مصر .

عن صفاء عبدالمنعم

قاصة وروائية وباحثة في الأدب الشعبي، وكاتبة أطفال، عضو إتحاد كتاب مصر ، وأتيلية الفنانين والكتاب ، ودار الأدباء ، محاضر مركزى بالهيئة العامة لقصور الثقافة ، صدر لها 25 كتاب ، كرمت فى مؤتمر أدباء مصر ، سافرت إلى سوريا ولبنان والشارقة وتونس ، تعمل حاليا مديرة مدرسة، ومعتمدة من البورد البريطاني.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *