الرئيسية / اخبار مميزة / محمية شرمة – جثمون .. موطن السلاحف
محمية شرمة جثمون موطن السلاحف

محمية شرمة – جثمون .. موطن السلاحف

عوالم بيولوجية صنعت المكان ببراعة ، السلاحف مكون بيولوجي جاء وسط مشهد جيولوجي طافح بالتغييرات والتحولات ، تلك التي رافقت مسيرة الارض منذ ملايين السنين  ، تسللت – عبر رحلة الزمن الطويل – الى قلب المكان وحولته الى مدينة طبيعية تدب فيها الحياة دون توقف .

تحضرني الان مقولة لأحد الفلاسفة قرائتها ذات يوم تقول انه كلما امعن الإنسان التفكير في شئ  فان تفكيره يتلاشي تماماً كالشمس تتضاءل حرارتها كلما اوغلت في قلب المحيط ، هذا الاحساس ذاته نراه يقترب بشكل اكبر ليتجسد بشكل واضح على هذه المحميات الشاطئيه باعتبارها مناجم موغلة في التفاصيل والمعاني الكونيه البديعة .

زارها :  ماجد التميمي

المحمية .. حديث الزمان والمكان

تقطن المحمية الى الشرق من مديرية الديس التابعة لمحافظة حضرموت وتتربع على شاطئ البحر العربي في امتداد جغرافي طوله 55كم تطل من خلالة على العديد من المناطق الساحلية ابرزها ” جثمون – راس شرمه – راس باغشوه – قصيعر – شصر القرن ” .

تبعد المحمية عن مدينة المكلا بحوالي 120 كم ، وبامكان الزائر الوصول اليها عبر الشريان الاسفلتي المتفرع من الخط الرئيسي الذي يربط المكلا  بمدينة سيحوت .

المحمية واقعة على خط طول ما بين 55    14  وبين  45     14   وخط عرض مابين 12  50 وبين  55     49 .

ولوحاولنا استقراء ماضي هذه المكان الذي تشكلت منه هذه المحمية لوجدنا ان ثمة كتابات اوردها جغرافيون من العصور الوسطى ، افردوا خلالها صفحات عن تاريخ هذا المكان ، ولعل من ابرزهم ماذكره الادريسي من ان “شرمه ولسع “كانتا اسماً قديماً لمدينة الشحر ، لكن هذه التسميات ومع مرور الزمن واختلاف فلسفة الانسان من وقت الى اخر تغيرت وتبدلت لتصبح ماهي علية اليوم .

مملكة السلاحف

من اراد ان يعرف شيئاً عن هذا الكائن الذي يضرب به المثل في البطء فعلية ان يتوجه مباشرة الى هذه المحمية ، فقد استوطنتها السلاحف منذ الالاف السنين ، هذه المحمية هي اشبة ماتكون بمملكة صغيره اسستها هذه المجاميع السلحفية المتوافدة من البحار المحيطة .

السلاحف مخلوقات رهيبة ظلت – على مدى وقت طويل من الزمن –  لغزاً يحير علماء الطبيعة والبيولوجيا خاصة وان هذه المخلوقات البحرية العجيبة – رغم عدم امتلاكها للتقنيات واجهزة تعريف خاصة – لا تعشعش الا في موطنها الذي خرجت منه حتى وان كانت قد تخطت جغرافيا المكان بالاف الاميال ، ويضيف العلماء هنا ان هذه المخلوقات مهما طالت هجرتها واستطالت الا انها تعود الى نفس موطنها الاول بما في ذلك صغارها التي خرجت للمره الاولى معزيين سبب ذلك الى امتلاكها لتقنيات الاستشعارعن بعد وقدرتها على اشتمام رائحة الطحالب وبعض الانواع من الاشجار الساحلية .

تمتاز  محمية شرمة جثمون باحتضانها  لنوعين من السلاحف وهي السلاحف الخضراء (Chelonio Mydas ) والسلاحف صقرية المنقار ( Eretmochelys Imbricat  ) ، وهذا النوع الاخير من السلاحف هو من الانواع النادره والمعرضة لخطر الانقراض على المستوى العالمي وقد تم ادراجة في قوائم الاتفاقية الدولية (CITES ) التي تمنع عملية الاتجاربالانواع المعرضة للانقراض .

فلسفة انتشار السلاحف واستيطانها في هذه المحمية تبرز من خلال ما تشكله بيئات شواطئ شرمه من مناجم بحرية للشعاب المرجانية ونحن – معشر البيئيون – ندرك بجلاء ما تمثله الشعاب المرجانيه للسلاحف ،فالمراجين  هي بيئات جاذبة للعديد من الاسماك الصغيره والقشريات والكائنات الحية الدقيقة، وبالتالي فهي  في نظر السلاحف تعد موئلاً خصباً وغنياً بالغذاء .

ولان ما يميز هذه المحمية عن غيرها من المحميات البحرية المتواجده في اليمن انفرادها بهذا الكائن ولذلك فان التعمق في محيط هذا الكائن وكشف اسراره هو شرط اساسي لمن اراد ان يجعل من زيارته لهذه المحمية علمية وسياحية في آن واحد .

من الناحية العلمية تضع السلاحف بيوضها في احضان الرمال الدافئة ، حيث تضع الانثى الواحدة ما بين 20-30 بيضة وتقفل راجعة الى البحر حيث تتولى الرمال مهمة اتمام عملية الحضن .

تستمر فتره الحضن 50 يوماً تفقس بعدها وتبداء الصغار في نبش الرمال والخروج ، وقد شاءت الاقدار ان يكون غالبية خروج تلك الصغار اثناء الليل حيث تنجو العديد منها من بطش الطيور والسرطان الناسك وكلاب الشواطئ الضالة والانسان نفسة .

تخرج السلاحف الصغيره بمجاميع كبيره وتتجه مباشرة الى البحر وهي غريزه حيرت علماءالبيولوجيا ، لكن حوالي 10% منها فقط هي التي تنجو وتستطيع الحفاظ على بقاء النوع من خطر الانقراض ، ذلك انها تصبح لقمة سهلة امام الاسماك الكبيره في البحر .

يبقى بان اقول ان هذه السلاحف قد رسمت ملامح المكان منذ ملايين السنين وهذا يعني اننا مجبرون انسانياً وخلقياً على حفظ بقائها ، فالانسان كماتعلمون له نصيب الاسد في الفتك بها من خلال نبش اماكن التعشيش وسرقه بيوضها تحت مسميات تقليديه انها تجلب القوه والصحة للجسم  .

يُذكر ان السلاحف قد جاءت الى هذا الكون منذ ملايين السنين ويعتقد العلماء انها الكائن الوحيد الذي نجى من الانقراض العظيم  ، ويصنفها غالبية العلماء ضمن عائلة الديناصورات التي انقرضت قبل حوالي 60 مليون سنه ( حقب الحياة الوسطى ) ، لكن هذا النوع استطاع الحفاظ على بقائة بشكل استثنائي  مكنه من البقاء حتى اليوم ، ربما لانه كائن برمائي وقد نجى من المذبحه الطبيعيه بفعل فراره الى جوف الماء في ذلك التاريخ الضارب في القدم .

السياحة الخضراء

السياحة البيئية هي سفر الى المناطق الخضراء ،هكذا تم ايجازها ، لكن ان كانت هناك مناطق خضراء تطل على شاطئ عامر بهدير الامواج فهذا يعني ان السياحة البيئية قد بلغت قمة الجمال الآسر  .

ثمة مايجعلنا نتحدث عن السياحة في هذه المحمية ونحن واثقين مغمورين حتى الثماله ، فالشعاب المرجانية المنتشره بقوه على طول الجرف القاري للمحمية قد جعلت منها مكاناً ملائماً لسياحية الغوص -هذا النوع من السياحة الذي لطالما حلمت به  وزارة السياحة ولم تستطع القيام به حتى اليوم ولعل تلك التكوينات الصخرية التي تشكلت بفعل عوامل النحر البحري لامواج الشاطئ قد اضفت على المكان ابتسامة نادرة خاصة ، عندما ترى طيور البحر وهي تلتقط فرائسها وتعود لتلتهمها فوق تلك النتوءات الصخريه تشعر بسعادة نادره رغم كونه مشهد قاتل   .

المحمية تتمتع بشاطئ رملي ابيض وناعم بعرض 70 متراً وطول 500 متر  وهو المكان الذي تعشش فيه السلاحف ولذلك فاننا لا نعده الا حديقة  تعيش فيه انواع خضراء من  السلاحف تضيف للمكان جمالاً قلما تجده في مكان اخر .

هناك مخزون طبيعي يؤسس لسياحة بيئية رائعة لو اُحسن استغلاله ، وتم قطع كل الاسباب التي تنتهك  هذا الرافد الاقتصادي المهم .

ثمة خيط سياحي يمدنا من داخل هذه المحمية باتجاة مدينة الشحر القريبه ، هذه المدينه التي تختلط فيها الوان الحياة كما تختلط الوان قوس قزح في السماء ، اصناف من الفنون الشعبية والثقافيه تضيف طابعاً جمالياً يستهوي الكثيرين ، في هذه المدينة تتفجر المنابع الحاره وتكتسي بالبنى التاريخية، فقط هي بحاجة الى البنية الفندقية المتطوره ولو بالشئ اليسير، فذلك يعبد للسياحة نبضها وبريقها .

محمية شرمه – جثمون مورد سياحي يحتاج لتهيئة مناسبة بعيداً عن جرح الطبيعة ،تحتاج لان يعرفها العالم وليس نحن فقط ، واذا كانت منظمة اليونسكو قد سعت الى احتضانها كموقع طبيعي وثقافي نادر فاننا يجب ان نعمل لهذا ونعد من اجل انعاشة لضمان ديمومته واستمراراً لخدمة السياحة فيها .

الطيور المهاجره

تشكل محمية شرمة – جثمون  عنواناً متالقاً للطيور المهاجره حيث تختلف اليها كجزء من برنامج رحلتها الطويله ، المكان في نظر البيولوجيين مهم للغاية اتدرون لماذا؟ اولاً لان المحمية واقعة ضمن حدود العزل الجغرافي – باعتبار ان موقعها يشكل عزلاً جغرافياً قارياً ومحيطياً – وهذا يعني ان الطيور المهاجره تضطر للتوقف في هذا المكان نظراً لاهميتة البيولوجية والطبيعية ، وثانياً لان التشكيلات الصخريه التي صنعتها الامواج بدقة متناهية قد وفرت لها اجواء مهمه للاستقرار وسهولة التقاط فرائسها من الاسماك الصغيره التي تتقاذفها الامواج على الشاطئ ، بالاضافة الى تناثر العديد من الجزر المرجانية قبالة شواطئ هذه المحمية ، وثالثاً لان الامتدادات المرجانية بمحتواها السمكي والتنوع النباتي الشاطيئ قد وفرا عوامل مهمة للاستقرار كالغذاء والمسكن .

ورغم ان المحمية قد اعلنت رسمياً كمحمية طبيعية محلية في العام 2001م الا انها لم تنل اي حظ من التصنيف والدراسة المتعمقتين وهو مايجعلنا عاجزين عن اظهار اي تفاصيل تصنيفية للجوانب الاحيائية ، واحسب هذا جزء من الاهمال المتعمد الذي دآبت علية السلطات المسؤلة حتى صار واقع مزعج بكل المقاييس .

يكفي ان يدرك الزائر انها ملتقى استراتيجياً للطيور وهذا يعني ان العيش فيها للحظات يعني الاستحواذ على اكبر قدرمن المتعة .

جهد حكومي خجول

تعكف الهيئة العامة لحماية البيئة على ادراج هذه المحمية على  قائمة المواقع الطبيعية المحتمل اعلانها كمحميات طبيعية على المدى القريب ، وعلى الرغم من اعتمادها محلياً كمحمية طبيعية لكن ذلك لن يجعلها ترقى الى مصاف المواقع الطبيعية ذات النكهة عالمية الانتشار ، فالمحمية تقبع في اكثر المحافظات استقطاباً للسياح سواء المتوافدين من الخليج العربي او من اقطار اخرى ، وهي بالاضافة الى ذلك تشكل سوقاً تجارياً عالمياً ولهذا فان من الحكمة بمكان ان تصبح على قائمة المواقع السياحية في البرنامج السياحي للمحافظة .

ثمة مرسى لسفن الصيد ينام في اقصى الحوض البحري المجاور لهذه المحمية ، هذا المرسى تم استغلاله تجارياً فقط من خلال سيطره جموع الصيادين بقواربهم عليه وتحويله الى ميناء للصيد ، وهذا جميل على كل حال ، لكن لو حاولنا جس النبض السياحي فيه لوجدنا احقية ان يُفرد له مساحة على صدر هذا المكان من خلال ادخال قوارب سياحية تمهيداً لاستغلاله في الرحلات البحرية السياحية العائلية ، وغيرها باعتبار المكان منظومة حية من الموارد الطبيعية تومض فيها السياحة وتتلالاء كاصداف البحر .

التوجه نحو انشاء منتجع بحري ومنشاءات فندقية تؤوي الزائرين غائب مثل خفاش النهار ، ولعمري ان مثل هذه الامور هي من توقد لهيب السياحة وتزيدها اشتعالاً ولهيباً ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *